الشيخ مهدي الفتلاوي
49
نهج الخلاص
وقارون ، والّذي نفسي بيده لتخلخلنّ خلخلة ، ولتبلبلنّ بلبلة ، ولتغربلنّ غربلة ، ولتساطنّ سوطة القدر ، حتّى يعود أعلاكم أسفلكم ، وأسفلكم أعلاكم ، ولقد عدتم كهيئتكم يوم بعث فيكم نبيّكم صلّى اللّه عليه واله وسلم . ولقد نبّئت بهذا الموقف وبهذا الأمر ، وما كتمت رحمة ، ولا أسقطت وسمة ، هلك من ادّعى ، وخاب من افترى ، اليمين والشّمال مضلّة ، الطّريق والمنهج ما في كتاب اللّه وآثار النّبوّة ، ألا إنّ ابغض عبد خلقه الله إلى الله لعبد وكله إلى نفسه ، ورجل قمش في أشباه النّاس علما فسمّاه النّاس عالما ، حتّى إذا ورد من آجن وارتوى من غير طائل ، قعد قاضيا للنّاس لتخليص ما اشتبه من غيره ، فإن قاس شيئا بشيء لم يكذّب بصره ، وإن أظلم عليه شيء كتم ما يعرف من نفسه لكيلا يقال لا يعرف ، خبّاط عشوات ومفتاح جهالات ، لا يسأل عمّا لا يعلم فيسأل ، ولا ينهض بعلم قاطع ، يذري الرّواية إذراء الرّيح الهشيم ، تصرخ منه المواريث ، يحلّ بقضائه الفرج الحرام ، ويحرّم بقضائه الفرج الحلال ، لا يلي بتصدير ما ورد عليه ، ولا ذاهل عمّا فرط عنه . ألا إنّ العلم الّذي هبط به آدم ، وجميع ما فضّلت به الأنبياء عليهم السّلام في عترة نبيّكم ، فأين يتاه بكم وأين تذهبون ؟ ! يا معشر من نجا من أصحاب السّفينة هذا مثلها فيكم ، كما نجا في هاتيك من نجا ، فكذلك ينجو في هذه منكم من ينجو ، ويل لمن تخلّف عنهم ، إنّهم لكم كالكهف لأصحاب الكهف ، سمّوهم بأحسن أسمائهم ، وبما سمّوا به في القرآن : هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ « 1 » اشربوا ، وهذا ملح أجاج فاحذروا ، إنّهم باب حطّة فأدخلوا . ألا إنّ الأبرار من عترتي وأطايب أرومتي أعلم النّاس صغارا ، وأحلمهم كبارا ، من علم الله علمنا ، ومن قول صادق سمعنا ، فإن تتّبعوا
--> - خطبها علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه ، ونقلها عنه أيضا ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة : 1 / 272 و 276 ، وهي الخطبة السادسة عشر من نهج البلاغة : 1 / 46 ، ينابيع المودة : 3 / 408 / 3 . ( 1 ) سورة فاطر : 12 .